عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

24

اللباب في علوم الكتاب

فصل في الإحباط في الدنيا أمّا إحباط الأعمال في الدّنيا ، فهو أنّه يقتل عند الظّفر به ، ويقاتل إلى أن يظفر به ، ولا يستحقّ من المؤمنين موالاة ولا نصرا ، ولا ثناء حسنا ، وتبين زوجته منه ، ولا يستحقّ الميراث من المسلمين . ويجوز أن يكون المعنى في إحباط أعمالهم في الدّنيا ، هو أنّ ما يريدونه بعد الرّدّة من الإضرار بالمسلمين ، ومكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله ، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز اللّه الإسلام بأنصاره ؛ فتكون الأعمال على هذا التّأويل ما يعملونه بعد الرّدّة ، وأمّا إحباط أعمالهم في الآخرة ، فعند القائلين بالإحباط معناه : إنّ هذه الرّدّة تبطل استحقاقهم للثّواب الذي استحقّوه بأعمالهم السّالفة . وعند المنكرين لذلك معناه : أنّهم لا يستفيدون من تلك الرّدّة ثوابا ، ونفعا في الآخرة ، بل يستفيدون منه أعظم المضارّ ، ثمّ بين كيفيّة تلك المضرّة فقال : « أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » . فصل [ في توبة المرتد ] قال القرطبيّ « 1 » : قالت طائفة : يستتاب المرتدّ ؛ فإن تاب وإلّا قتل . وقال بعضهم : يستتاب ساعة واحدة . وقال آخرون : يستتاب شهرا . وقال آخرون : يستتاب ثلاثا ، على ما روي عن عمر وعثمان ، وهو قول مالك في رواية ابن القاسم . وقال الحسن « 2 » : يستتاب مائة مرّة ، وروي عنه أنّه يقتل دون استتابة ، وهو أحد قولي الشّافعيّ . واحتجّ من قال بأنّه يقتل ولا يستتاب ، بحديث معاذ ، وأبي موسى : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل ، فلمّا قدم عليه قال : انزل ، وألقى له وسادة ، وإذا رجل عنده موثق ، قال : ما هذا ؟ قال : كان يهوديا ، فأسلم ، ثم راجع دينه ، فتهوّد ، قال : لا أجلس حتّى يقتل ، قضاء اللّه ورسوله ثلاث مرّات ، وأمر به فقتل . أخرجه « مسلم » وغيره « 3 » . وقال مالك : يقتل الزّنديق ، ولا يستتاب .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 32 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 12 / 268 - فتح ) ومسلم ( 3 / 207 - 208 - نووي ) وأبو عوانة ( 1 / 193 ) وأبو داود ( 5354 ) وأحمد ( 4 / 409 ) وابن حبان رقم ( 1068 ) والبيهقي ( 8 / 195 ) من طرق عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري .